الزركشي

412

البحر المحيط في أصول الفقه

العموم كان حقيقة فكيف يصح على قوله إنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص ؟ . والثاني أن نقول إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج به مجردا من غير دلالة وهذا معنى قولنا إنه حقيقة في الباقي فإذا سلم هذا لم يبق تحت قولنا إنه مجاز فيما بقي معنى . وقال بعض المتأخرين هذا القول أعني كونه مجازا ضعيف أما على قاعدة أصحابنا في إثبات كلام النفس فإن المتكلم بقوله من دخل داري من العلماء فله درهم لم يبين أول كلامه على قصد غير العلماء أصلا فكلام النفس لم يتناول غير العلماء لا حقيقة ولا مجازا لا قبل التخصيص ولا بعده وهي في كلامه سبحانه بمعنى الأول لعلمه بمراده قطعا بل تعبيره بصيغة العموم إنما كان توطئة للإتيان بالخصوص كالجنس مثلا في عموم معناه عندما تورده في تحديد النوع فإنك تأتي به عاما ثم تخصصه باقتران الفصل به فلا يكون العموم من أول القصد أصلا مرادا فكذلك في تخصيص اللفظ العام إذ العموم حقيقة واحدة معقولة في عموم اللفظي كالمعنوي . وهذا الذي قاله هذا القائل خارج عن المذاهب السابقة قال وأما على قاعدة المعتزلة في إنكارهم النفسي فهو الحد إذا تصور اللفظ في الذهن للتلفظ به فيكون الخصوص إذن من أول اللفظ وأما علم السامع بالعموم فلا يعتبر إذ ليس له أمر في كلام غيره . الثاني أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص وهو الذي أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فإرادة إخراج بعض المدلول هل تعين اللفظ مرادا به الباقي أم لا فإن قلنا بالمنع كان حقيقة وإلا فلا . أما العام الذي أريد به الخصوص فالظاهر أنه مجاز قطعا ولا يطرقه هذا الخلاف لأنه مستعمل في بعض مدلوله إلا إذا قلنا إن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة فيحتمل أن يكون حقيقة في كل فرد فيطرقه الخلاف وهو بعيد . وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان القول بأنه مجاز صحيح في العموم الذي أريد به بعض ما تناوله عند الإطلاق أما ما وقع التخصيص فيه بعد إرادة العموم به إن صح أنه تخصيص لا نسخ يقوى هذا فيه . الثالث إطلاقهم الكلام في هذه المسألة يشمل ما لو كان التخصيص بدليل العقل ونقل بعض الحنفية عن القائلين بأن من المخصصات العقل أنه لا يصير العام ظنيا مثل هذا التخصيص وإنما يصير ذلك فيما يقبل التعليل والتفسير دون ما لا يقبله ألا